المشاركات الاخيرة

سياسيو العراق وحلاوة الدنيا !

سياسيو العراق وحلاوة الدنيا !بقلم / أحمد رضا المؤمنبينما كُنت أطالع التعليقات والمنشورات التي تستنكر قيام!-->!-->!-->!-->!-->…

كلمة الشيخ قيس الخزعلي بمُناسبة ذكرى مرور قرن على ثورة…

كلمة الأمين العام لحركة عصائب أهل الحق سماحة الشيخ قيس الخزعلي "دام عزه" بمُناسبة ذكرى مرور قرن (100 مائة عام) على!-->…

أسرار صاروخ إيران

أسرار صاروخ إيرانبقلم / د . فلاح شمسةما معنى القلق الأمريكي من إرسال ايران اول محطة ساتلايت فضائية!-->!-->!-->!-->!-->…

هدم قبور أئمّة البقيع (صلوات الله عليهم)

هدم قبور أئمّة البقيع (صلوات الله عليهم)بقلم / مُحمّد أمين نجفالبقيع :بقعة شريفة طاهرة في المدينة!-->!-->!-->!-->!-->!-->!-->!-->!-->…

عملية المشعل الضوئي (تفجير طائرة النقلِ العسكريةُ هيركوليس سي 130)

0 120

عملية المشعل الضوئي (تفجير طائرة النقلِ العسكريةُ هيركوليس سي 130)

أحمد الغريفي

وهي من العمليات النوعية المُهمّة للمقاومة الإسلامية عصائب أهل الحق والتي كان لها الأثر الكبير على قرارات الحكومة البريطانية بشأن إبقاء أو تمديد قواتها المحتلة في العراق ، ولأهمية هذه العملية فإن من المهم والمفيد تفصيل الحديث عن هذه العملية وظروف الإعداد لها وتنفيذها .

ففي مدينةُ العِمارة .. (بُندقيةُ الجنوب) … مدينةٌ عراقيةٌ كبيرةٌ وعريقةٌ تقعُ على بُعدِ  ثلاثِ مائةٍ وخمسةٍ وستينَ  كيلو مترا جَنوبَ شرقِ العاصمةِ بغدادَ ، ويقطُنُ فيها وفي الأقضيةِ والنواحيِ المحيطةِ بها أكثرُ من مِليون عراقي.

وبعد عملية (حصاد الأبطال) التي تم خلالها تدمير قاعدة (فالكون) بتأريخ 10/تشرين الأول/2006م فإن القيادةُ العسكريةُ البريطانيةُ تُعلنُ أنَّ الهروبَ هو إعادةٌ إنتشارٍ تكتيكيّ …

يقولُ القائدُ العسكري البريطاني الكولونيل “بوشر” : (كانَ الحلُّ أن نترُكَ القاعدةَ ونعتمدُ أسلوبَ القواتِ المتحرِّكَة).

وفي مَعرِضِ تبريرِ الخسائرِ الفادحةِ وفُِقدانِ المحتلِ لإحدى كُبرَياتِ قواعِدِه في العراقِ يُضيفُ (دافيد بوشر) : (لم نَكُن نثقُ بالقواتِ الأمنيةِ لذا لم نُخبٍرهُم قبلَ وقت مُناسِب بقرار تركِ القاعدَة) .

تَلَقى العدوُّ المحتلُ مَرارةَ الهزيمةِ في مدينةِ العِمارة بصمتٍ مُطبِق ، لكنَّ كتاباً صدر في العامِ 2008م ، وثَّقَ أسبابَ فشلِ القواتِ البريطانيةِ بتحقيقِ مَهامِّها في العراق ، الكتابُ للدكتور ريتشارد نورث ، وهو ضابطٌ حكوميٌّ خَدَمَ في القواتِ الملكيةِ البريطانيةِ وقد وَصَفَ المعلِّقَ في صحيفةِ (الغارديان) البريطانيةِ (كريستوفر بوكر) الكتاب بالهامِّ لكونِهِ قدَّمَ معلوماتٍ إستقاها من موادَّ منشورةٍ وغيرِ منشورة .

وفي الفصلِ الثالثِ من الكتابِ يُركزُ الدكتور “نورث” على ما يَصفُهُ بالدراما الإستثنائيةِ التي لم تُنقَل حوادثُها التي جرت في مدينةِ العِمارةِ  قربَ قاعدةِ (أبو ناجي) ثاني أكبرِ القواعدِ البريطانيةِ في العراقِ ، ويقولُ في كتابه :

(كانتِ القواتُ البريطانيةُ غيرَ قادرةٍ على  السيطرةِ على المدينةِ بسببِ قوةِ المقاومةِ فيها ، والتي حاصرتِ المعسكرَ وأمطَرَتْه بالقذائفِ الصاروخيةْ ، ولم  يكُن لدى القواتِ البريطانيةِ ما يكفي من الرجالِ والمُعَدَّاتِ للتعاملِ معَ القوة المتزايدة للمقاومة ، ومن ثم كان التراجعَ في شهرِ آب عام 2006م ،  لأنهُ بدل أن تُسلَّمَ القاعدةُ للجيشِ العراقي إلاّ أنَّها أضحت نموذجاً يُمثلُ إنتصار للمقاومة).

ومع وجودِ الآلافِ من جنودِ الإحتلالِ بتجهيزاتِهِم المتطورةِ وأسلحتِهم الحديثةِ الفتّاكةِ فإنَّ الحُجَّةَ البريطانيةَ بقلةِ العديدِ والمُعَداتِ كسبَبٍ للهزيمةِ ومن ثُمَّ الإنسحابَ لم تكُن واقعية ، إذ إنَّ أساليبَ وتكتيكاتِ رجالِ المقاومةِ كانت أبرزَ عواملِ هزيمةِ القواتِ المحتلة .

عاشتِ المدينةُ فَرحةَ الإنتصارِ والتحريِرِ ، وسارَت مواكبُ النّصرِ في شوارعِ المدينةِ المحررةِ وإرتفعتِ الهتافاتُ والأهازيجُ الميسانيةُ الشهيرةُ في كلِّ جانبٍ من جوانبِ المدينة .

بعدَ 25/آب/2006م خَلَتِ العِمارَةُ ، وضواحيها والأقضيةُ والقرى المحيطةُ بها ، من وجودِ قواعدَ أو مواقعَ للعدو ، ولكنَّ المدرعاتِ والآلياتِ والدورياتِ البريطانيةَ ، عاودتِ الظهورَ في المناطقِ المحيطةِ بالمدينةِ عن بُعدٍ ، من دونِ أن يكونَ لها موقعٌ أو قاعدةٌ في المحافظةِ كُلِّها .

لاحظَ قادةُ المقاومةِ ومُجاهدوها هذا الأمرَ ، وتمَّ تكليفُ وِحداتِ ونقاطِ الرصدِ، بمتابعتِهِ بينَما  إستمروا بالتصدي للدورياتِ والمدرعاتِ بعملياتٍ بطوليةٍ أوقعتْ بالمحتلينَ خسائرَ كبيرةً ، حيثُ قاموا بملاحقتِها خارجَ حدودِ مدينةِ العِمارَة وعلى الطريقِ المتجهِ صوبَ محافظةِ البصرة.

وبعدَ إنسحابِها من مُعسكرِ “أبو ناجي” الذي كانَ قاعدتَها الكُبرى إستخدمتْ قواتُ الإحتلالِ البريطاني العجلاتِ والآلياتِ المدرعةِ في تحركاتِها ، وقد تابعَ رجالُ المقاومةِ رصدَ ومُراقبةَ هذه الدورياتِ من أجلِ إستهدافِها .

التقاريرُ الواردةُ من نِقاطِ الرصدِ والمتابعةِ بينت أنَّ مسارَ حركةِ العدوِّ وآلياتِهِ وجنودهِ قد أصبحتْ مكشوفة .

(150) مائةٌ وخمسونَ عُنصراً من قواتِ الإحتلالِ البريطانيِ ومعها (40) أربعونَ آليةً بينَ ناقلةٍ للجُندِ ومدَرَّعَةٍ صغيرةٍ وعجلاِتِ الرينج روفر العسكريةِ البريطانيةِ كانَ قِوامُ قواتِ العدوِ التي عاودتِ الظهورَ في المِنطقَةِ يرافقُها غطاءٌ جويٌّ مكثَّفٌ ومُستمر .

الدورياتُ تدورُ دورةً كاملةً من بُعْدٍ حولَ مدينةِ العِمارةِ التي أخلتها، وهي تَستَغرقُ ثمانيةَ أيامٍ تَنطَلق فيها من قواعِدِها العسكريةِ في مُحافظةِ البصرة ، وتَمضي في طريقها إلى مدينةِ الناصريةِ ثُم تمرُّ بالطريقِ القادِمِ نحوَ ناحيةِ (البتيرةِ) التابعةِ لمحافظةِ ميسان ، وبعدَ إلتفافِها بعيداً عن مدينةِ العِمارةِ تَصِلُ إلى الطريقِ الرئيسِ الواصلِ إلى مُحافظةِ ميسانَ والمارِّ بناحيةِ (كُميتْ) ، ومنهُ تتجهُ هذه الدورياتُ إلى مناطقَ شرقِيِّ مُحافظةِ ميسانَ حيثُ المواقعُ العسكريةُ المتروكةُ في صحراءِِ (الطيب) ، وهي صحراءُ واسعةٌ تمتدُ فيها طُرُقٌ مُهملةٌ غيرُ مُنتظَمَةٍ صنعتها ظروفُ المعاركِ التي شَهِدَتها هذهِ المناطقُ في الأزمنةِ السابقة .

عندَ مُفترقِ الطريقِ القديمِ المعروفِ بطريقِ الفرقةِ العاشرةِ يَتجهُ المَفرِقُ شرقاً صوبَ حقولِ (بازركانَ) النفطيةِ وغرباً صوبَ ناحيةِ (كميت) التابعةِ لمحافظةِ ميسانَ التي تُمثلُ مدينةُ العمارةِ مركزَها الكبير .

رجالُ المقاومةِ كانوا يُسجلونَ حضوراً ووجوداً للقواتِ البريطانيةِ المحتلةِ في المِنطقةِ والطرقِ العسكريةِ القديمةِ التي تلتقي في مَفرِقِ (كميت) تؤشِّرُ إلى موقعِ الضربةِ القادمةِ للعدو .

شريطُ عُبُواتٍ محليةِ الصنعِ عددُها يقارِبُ (100) المائةِ زُرِعَتْ على جانبِ الطريقِ ، ورَصدَتِ المقاومةُ قدومَ الدورياتِ المعاديةِ ، حيث دوَّت إنفجاراتٌ هائلةٌ أدت إلى تدميرِ آلياتِ العدوَِ وقتلِ عددٍ كبيرٍ من جنودِ الإحتلال. والقيادةُ العسكريةُ البريطانيةُ عَمَدَت على عادتِها إلى إخفاءِ هذهِ الخسائر.

أسبوعٌ واحدٌ يمضي وضربةٌ قاصمةٌ أخرى توجِّهُها المقاومةُ إلى المحتلِ في المكانِ ذاتِهِ ، وأربعُ آلياتٍ أخرى يتِمُّ تدميرُها وقتلُ من فيها من قواتِ الإحتلالِ البريطاني.

الضَّرَباتُ المتلاحقةُ والتواجدُ المتكررُ للقواتِ المحتلةِ يُسجِّلُ لقادةِ المقاومةِ أكثرَ من علامةِ إستفهامٍ حول المكانِ وإصرارِ البريطانيينَ على العودةِ إليه .

ناحيةُ (كُميت) أربعونَ كيلو متراً شَمالَ مدينةَِ العِمارةِ وعلى طريقِها الرئيسيِّ الواصلِ إلى العاصمةِ بغداد تُفَجِّرُ المقاومةُ عبوةً ناسفةً بإحدى عرباتِ دوريةٍ للإحتلالِ البريطانيِّ تؤدي إلى تدميرِها ومقتلِ من فيها ليهرُبُ أفرادُ الدوريةِ بآلياتِهِم ويتركونَ خلفَهُمُ الآليةَ المدمرةْ .

دورياتٌ أخرى للمُحتلِ تصِلُ إلى الناحيةِ مُحاوِلَةً الحصولِ على معلوماتٍ منَ الأهالي.

الضابطُ البريطانيُّ الذي يقودُ الدوريةَ يترجلُ مع جنودِهِ من عجَلَتِه ، فيُهرَعُ شبلٌ عراقيٌّ صغيرٌ من أبناءِ الناحيةِ إلى العجلة ، مُستطلعاً ما بداخِلِها ليعثُرَ على كاميرا ديجتال شخصيةٍ للضابطِ البريطاني ويُسرِعُ بإتحاه أحدِ رجالِ المقاومةِ في الناحية ليسلِّمَها له.

صُورُ الكاميرا ولقَطاتُ فيديو فيها تحُلُّ اللُّغزَ وتكشِفُ لمجاهدي المقاومةِ سرَّ إستمرارِ تواجدِ عناصرِ وآلياتِ العدوِّ المحتل.

مجموعةٌ من الصُّوَرِ لطائرةٍ عسكريةٍ نوع (هيركوليس سي 130) حملتها كاميرا الضابطِ المقتول ، وهي تُظهِرُ تحليقَ الطائرةِ عند هبوطِها في المِنطَقَة وصُوَرٌ أخرى للعصا الضوئيةِ ، التي تُستخدَمُ عند مدارجِ هبوطِ الطائرات، تكشِفُ الكاميرا تكتيكَ قواتِ الإحتلالِ الجديدِ في المِنطَقَةِ .

تقرَّرَ إستكشافُ المدرجِ الذي تَهبِطُ فيه طائرةُ الإحتلالِ البريطاني ، التي تَستَبدِلُ جنودَ وضباطَ الدورياتِ والمدرعاتِ الذين يتواجدونَ في مناطقِ المحافظةْ ، كان لا بُدَّ من جُهدٍ كبيرٍ ومُكثفٍ لمعرفةِ المكان .

المواقعُ العسكريةُ التي كانت جَبَهاتٍ للحربِ لسنواتٍ طويلةٍ في ثمانينياتِ القرنِ الماضي والتي تمتدُ إلى مِساحاتٍ شاسعةٍ على الحدودِ الشرقيةِ لمحافظةِ ميسان كانتِ المحورَ الاولَّ الذي تركزت حولَهُ جهودُ البحثِ والاستكشاف .

أوعزَ قادةُ المقاومةِ إلى المقاومينَ في قسمِ المعلوماتِ الخاصِّ بعصائبِ أهلِ الحق من العراق بإستكشافِ موقعِ نزولِ الطائرةِ العسكريةْ ، وكانتْ مَهَمَّةُ إستطلاعِ الموقعِ ليستْ يَسيرَةْ .

الأرضُ المفتوحةُ الواسعةُ والمعروفةُ بصحراءِ الطيب لا مُرتفعاتٍ مشرفةٌ عليها ولا أبنيةً ولا أشجار ، وهي شَكَلَت عائقاً أمامَ إستكشافِ المكانِ ومَسحِهِ وإستطلاعِهِ خصوصاً مع وجودِ العديدِ من المواقعِ العَسكريةِ المهمَلَةِ مُنذُ سنواتٍ طويلة ..

بدأت مَهَمَّةُ البحثِ من آثارِ سيرِ عجلاتِ ومُدرعاتِ قواتِ الإحتلالِ عندَ مًفترَقِ طرق ، الطريقُ يبدأُ من مُنحدَرٍ تُرابيٍّ بطولِ (125) مائةٍ وخمسةٍ وعشرينَ متراً ، ويَفصِلُ بينَ ساترينْ ، إرتفاعُ كُلٍّ منهُما قُرابةَ المترين ، يبدأُ بعدها طريقٌ بطولِ (500) خمسِمائةِ متر، وهو مرصوفٌ ويصلُ إلى طريقٍ إسفَلتِيٍّ مُعبَّدٍ بطولِ (700) سبعِمائةِ مترِ وعرضِ (11) أحدَ عشرَ متراً تقريباً ..

هذهِ الآثارُ جَعلت رجالَ المعلوماتِ في عصائبِ أهلِ الحقِّ يَصلونَ إلى موقعِِ نزولِ الطائرةِ ويتعرفون عليهِ بدقة .. إنهُ مَدرَجُ (كُميت) العسكري القديمِ الذي إستُخدِمَ في ثمانينياتِ القرنِ الميلادي الماضي ، وقد أعيدَ تأهيلُهُ من جديدٍ لإستخدامِهِ من قواتِ الإحتلال .

راعٍ  وقطيعٌ من الأغنامِ كانا السبيلَ الوحيدَ للتَجَوُّلِ في هذهِ الأرضِ المفتوحةِ ومُعاينةِ الموقعِ الذي تهبِطُ فيهِ الطائرةُ الهدف.

تمَّ شراءُ الأغنامِ وتكليفُ عددٍ من المقاومينَ بالمَهَمَّةِ ، وبعدَ مُراقبةٍ دقيقةٍ دامتْ لإسبوعينِ وتواصلت عمليةُ المراقبةِ فيها ليلاً ونهاراً ، إستطاعَ المقاومونَ المتخفونَ بزِيِّ رُعاةِ الأغنامِ أن يَجمَعوا المعلوماتِ المطلوبة من الرعاةِ الذين إعتادوا المرورَ في المكان .

الطائرةُ العسكريةُ التابعةُ للإحتلالِ البريطاني مُخصّصةٌ لنقلِ الجنودِ والضباطْ ، وتأتي بهم إلى هذا المكان للإلتحاقِ بمواقعِهِم وترجِعُ ببُدلائِهِم إلى قواعدِ الإحتلالِ البريطاني في مُحافظةِ البصرة . وهي تأتي بشكلٍ دوريٍّ ولمرةٍ واحدةٍ في الشهرِ وأحياناً مرتين . أما المَدْرَجُ الذي تهبِطُ فيهِ الطائرةُ فقد أصبحَ معروفاً .

العملياتُ الجهاديةُ مُستمرةٌ ودورياتُ الإحتلالِ تَتكبدُ الخسائرَ تِلوَ الأخرى .. ولكنْ في المناطقِ المفتوحةِ ، والطُرقِ الرئيسَةِ المحيطةِ بالمدينة. وبتكتيكٍ مدروسٍ يعمَدُ قادةُ المقاومةِ إلى إيقافِ إستهدافِ قواتِ الإحتلالِ المارةِ في المِنطقةِ لكي لا تُكثِّفَ من حَيطتِها وحذَرِها ومَهامِّها التفتيشيةِ هُناك .

عمليةُ تحريرِ العِمارةِ تدفعُ بالحكومةِ البريطانيةِ إلى شَفيرِ الهاوية

هاجمت الصِّحافَةُ البريطانيةُ رئيسَ الوزراء البريطاني “توني بلير” وحَمّلتهُ مسؤوليةَ تدميرِ الجيشِ البريطاني الذي كان يُعتبَرُ أحد أكثر الجيوش إحترافيةً في العالمِ قبلَ سقوطِهِ في المستنقعِ العراقي كما يُعبرون .

الضباطُ البريطانيونَ يُحمِّلونَ “بلير” مسؤوليةَ الهزيمةِ في مدينةِ العِمارةِ والإنكسارِ الكبيرِ في البصرةْ ، ويقولُ الدكتور “ريتشارد نورث” في كتابِهِ الذي نَشرتْ مَقاطِعَ منه صحيفةُ (الغارديان) البريطانية :

(بعد تفكيكِ هيكلِ السُلطةِ وخفضِ عديدِ قواتِنا إلى أحدَ عَشَرَ ألفِ جُندي ، لم يعُد هُناكَ ما يكفي من الرجالِ لإنجازِ مَهَمَّتِنا القانونيةِ، كما تنُصُّ مُعاهدةُ جنيف أي الحِفاظِ على النظامِ العامِّ والسلامة) .

المقاومونَ يُواصلونَ مَهامَّ الرصدِ والمراقبةِ للطائرةِ الهدف ، والمعلوماتُ تُبَيِّنُ أنَّ إنتشاراً عسكرياً واسعاً للآلياتِ وعناصرِ الإحتلالِ يَسبِقُ موعدَ وصولِ الطائرة ، وأنَّ إجراءاتِ حَيطَةٍ وحذرِ ، وتفتيشٍ دقيقٍ للمِنطَقَةِ المحيطةِ بمَهبِط الطائرةِ تسبِقُ عمليةَ الهبوطِ لحمايتِها خلالَ فترةِ مكوثِها في المدرجِ ، وعندَ مغادرتِها المكان .

فيما كانَ رجالُ “عصائبِ أهلِ الحقِّ” يواصلونَ المراقبةَ الدقيقةَ .. عَكَفَ قادةُ المقاومةِ على وضعِ خُطَّةٍ مُحكَمَةٍ تُحقِّقُ الهدفَ المنشود ، وتوجِّهُ ضربةً قاسيةً إلى قواتِ الإحتلالِ البريطاني .

كانَ الخِيارُ يُشكلُ سابقةً نوعيةً في عَمَلِ المقاومةِ لم يَسبِق أن قامَ بهِ أحدٌ من قبل.

طائرةُ النقلِ العسكريةُ (هيركوليس سي 130) تم تصميمها وَفقَ مواصفاتِ سلاحِ الجوِّ الأمريكي عامَ 1951م ، وقد خَضَعَت لتعديلاتٍ من أجل تحسينِ أداءها في نقلُ الفِرَقِ العسكريةِ والمُعَداتِ إلى أرضِ المعركةِ في مُختلفِ الظروف .

 وتوصَفُ الـ(هيركوليس) بأنَّها طائرةُ نقلِ تَكتيكي ولوجستي ، وتَتَميزُ بقُدرتِها على حملِ (128) مائةٍ وثمانيةٍ وعشرينَ جُندياً أو ( 92 ) إثنيِن وتسعينَ مِظَلياً ، وَيَصِلُ وزنُ العِتادِ الذي يُمكنُ لها أن تَحمِلَهُ إلى عشرينَ طُنّا .

وتُعدُّ هذهِ الطائرةُ النموذجَ الابرزَ من الجيلِ الرابعِ المطوَّرِ عن النسخةِ الأولى ، وهي مُعتمدةٌ في سلاحِ الجوِّ الأمريكي .

وتتميزُ هذه الـ(هيركوليس) بسكةِّ هبوطٍ تحوي عجلاتٍ كثيرةً ، تسمحُ لها  بإستخدامِ مَدارِجَ أوليةٍ غيرِ مؤهلة ، وهي تحملُ المحركاتِ على أجنحتِها المرتفعةِ عن جسمِ الطائرة ، وهيَ مُجهزةٌ لشنِّ هجماتٍ على المناطقِ المأهولةِ ولتأمينِ الدعمِ للقواتِ البرية.

قبلَ شَهرَينِ من تنفيذِ العمليةِ التي أعدها قادةُ المقاومةِ، لتفجيرِ الطائرةِ (هيركوليس سي 130) ، وفي 8/كانونَ الأول/2006م ، وَقَفَ وزيرُ الدفاع البريطاني حينذاكَ ليعترِفَ أمامَ مجلسِ العمومِ البريطاني بأنَّ نيرانَ المقاومةِ العراقيةِ قبلَ قُرابةِ عامٍ قد أسقطت طائرةَ نقلٍ عسكريةٍ (هيركوليس) في قضاءِ (بَلَد) شَمالَ العاصمةِ العراقيةِ بغداد . وكانتِ المقاومةُ العراقيةُ في حينِهِ أعلَنَت عن إسقاطِها في أوائلِ شهرِ كانونَ الثاني عامَ 2005م ، أدَّتِ العمليةُ إلى مَقتلِ وجَرحِ أربعينَ عُنصراً من جنودِ الإحتلالِ البريطاني الذين كانوا على متنِها ، فيما رَفَضَ وزيرُ الحربِ البريطاني كما تَذكُرُ وكالةُ الأنباءِ الكويتيةُ على موقِعِها الإلكتروني أن يعترفَ بنوعِ السلاحِ الذي إستُخدِمَ في مهاجَمَةِ الطائرةِ لأسبابٍ أمنيةٍ كما قال .

طائرةُ (هيركوليس) في شِباكِ المقاومةِ مرةً أخرى وفي مرمى نيرانِها ، وهذهِ المرة في العِمارة ، المدينةِ المقاوِمةِ والعصيةِ على الإحتلالِ.

المقاومونَ يُسيطرونَ على المدينةِ ومُحيطِها ، والعُبُواتُ الناسفةُ تَنتظرُ دورياتِ الإحتلالِ على جوانبِ ومَفارقِ الطُرقِ المحيطةِ بها ، في هذهِ الأجواءِ قرَّرَ قادةُ المقاومةِ زرعَ العبواتِ على جانبيِ الطريقِ المعبدِ للمَدْرَجِ ، من أجلِ تدميرِ الطائرةِ لحظةَ وصولِها إلى الطريقِ الإسفَلتِيِّ للمَدْرَج.

إقتَضَتِ الخطةُ العسكريةُ التي أعدَها ضباطُ القيادةِ لتنفيذِ العمليةِ، إجراءَ حساباتٍ مَيدانيةٍ دقيقةٍ على الأرض .. فالمكانُ مَفتوحٌ وواسعٌ ولا حواجزَ قريبةً منه ولا جدران .. المقاومُ المتخفّي بزِيِّ راعي الغنمِ يقودُ قطيعَهُ ويحملُ الكاميرا ليُصوِّرَ طبيعةَ المِنطقةِ الصحراويةِ ، وطريقَ الهبوطِ المعبَّد . وبعد أن يَطَّلِعَ عليها ضُباطُ القيادةٍِ يَتِمُّ من خلالِها تحديدُ نوعِ المتفجراتِ التي تَضمَنُ عمليةً كبيرةً وناجِحَة.

وُضعَتِ الخُطَّةُ بكاملِ تفاصيلِها وبدأتِ المَهَمَّةْ .. البيتُ الصغيرُ الوحيدُ الذي يقَعُ بعيداً عن المَدرَجِ بحوالَي (800) ثمانِ مائَةِ مترٍ تقريباً كانَ مهجوراً ، والمقاومونَ الأربعةُ الذين سيُنفِذونَ العمليةَ الكبيرةَ ، إتّخذوا من خيمةٍ صغيرةٍ جاءوا بها ، لَهُم في صحراءِ الطيب , هذهِ الخيمةُ بمَؤونَتِها المتواضعةِ تحولت إلى نُقطةٍ مُتقدمةٍ لتنفيذِ المَهَمَّةْ .

سيارةٌ رُباعيةُ الدفعِ أوصلََ بها المقاومونَ العُبُواتِ المحليةَ الصنعِ إلى أقربِ نُقطةٍ من المَدرَجِ قبلَ أن تعودَ من حيثُ أتَت.

شقوقٌ صغيرةٌ تُشكِّلُ ملاذاً صعباً في الأرضِ المكشوفة … زادٌ بسيطٌ وماءٌ قليلٌ وذكرياتٌ عن مُحاولاتٍ سابقةٍ قامَ بها المقاومونَ الأبطالُ لإصطيادِ طائرةِ “هليكوبتر” وأسرِ من فيها.

المجموعةُ التي ضَمَّت أربعةً من مُجاهدي “عصائبِ أهلِ الحق”، أمضت ليلتينِ بكامِلِهِما في مَهَمَّةِ زرعِ العُبُواتِ في الأماكنِ التي تمََّ تحديدُها.

ثلاثةُ عُبُواتٍ ناسفةٍ .. تمَّ نصبُها على بُعدِ (100) مائةِ مترٍ من بدايةِ المَهبِطِ الإسفَلتيِّ ، وجرى وَضعُها على مَسافةِ ثلاثةِ أمتارٍ عن مُنتصفِ المَدرَجْ ، وحوالَي مترٍ ونصف عن جانبيِ الطريق ، كما زرعَ مُجاهدو العصائبِ على بُعدِ (100) مائةِ مترٍ أخرى سلسلةَ عُبُواتٍ ، بينَ الواحدةِ والأخرى مترٌ واحدٌ تقريباً.

مجموعةُ تِّلالِ صغيرةِ على جانبيِ الشارعِ الإسفَلْتِيِّ في مَدرَجِ الهبوطِ سَهَّلَتِ القيامَ بهذهِ المَهَمَّةِ، وهي تطلَّبَت تَوخّي الدِّقَةَ في تمويهِ العبوات ، لأنَّها ستكونُ عُرضَةً للتفتيشِ من عناصرِ قواتِ الإحتلالِ في يومِ قدومِ الطائرة .

أنجزَ المقاومونَ المَهَمَّةَ على أكملِ وجه .. المتفجراتُ زُرعت في الأماكنِ المحددةِ لها وَفْقَ الخُطةِ التي إعتَمَدَها قادةُ المقاوَمة ، الأمطارُ التي هَطَلَت بفعل التقلّباتِ المُناخيةِ مَحَت أيَّةَ آثارٍ لمواضعِ زَرعِ المتفجراتِ بحيثُ بَدَت وَكأنَّها لم تُمَسَّ مُنذُ وَقتٍ طويل .

الإنتظارُ والترقُّبُ ورَصدُ التحركاتِ في مكانٍ يَصعُبُ التواجُدُ فيه ولو لوقتٍ قليل. والطائرةُ تَتأخَّرُ عن موعدها المعروفِ ، ما أدى إلى حالةِ قلق .. كانَ قد مضى أكثرُ من أسبوعٍ على زرعِ العُبُوات .

فهل تمَّ كشفُ العمليةْ ؟ هل تمََّ تغييرُ موقعِ نزولِ الطائرة ؟

هل ألغَت قواتُ الإحتلالِ دورَ الطائرةِ في النقلِ التكتيكيّ ؟

هلْ وهلْ وهلْ ؟؟؟

وفي اليومُ الحادي عَشَرَ للإنتظارِ والترقُّبِ مُنذُ أن تمَّ زرعَ المتفجرات ..

علاماتُ وصولِ الطائرةِ تلوحُ في الأُفُق ، الآلياتُ والعجلاتُ والجنودُ البريطانيونَ يَصِلونَ المِنطَقَةَ ويبدأون بحملةِ التفتيشِ الإعتياديةِ .. ثُم يَنتشرونَ في المكانِ وسْطَ الإجراءاتِ الإحترازيةِ ، وتدابيرُ الحمايةِ التي تؤشِّرُ إلى قربِ مجيءِ الطائرة .. تؤكّدُ للمُقاومينَ أنَّ الهدفَ باتَ في مرماهُم.

اللّيلُ يُخيِّمُ بظلامِهِ على المِنطقَةِ المفتوحة ، والطائرةُ تقتربُ من المَدرَجِ والمَشعَلُ الضوئيُّ يَتَحرّكُ في ممرِ هبوطِ الطائرةِ مُبَيِّناً لطاقَمها مسارَ الهبوط ….

الطائرةُ تقتربُ منَ المَدْرَجِ، وتدورُ حولَهُ وتحُطُّ فيهِ ولكنَّها طائرةٌ أصغرُ من الـ(هيركوليس) الهدف.

رجالُ المقاومةِ يضغُطونَ زرَّ الأسلاكِ الواصلِ إلى العُبُواتِ ولكنَّها لا تنفجر ….!!

الدقائقُ تمضي سِراعاً والطائرةُ تعاودُ الطيرانَ بعد أقلَّ من خمسَ عَشْرَةَ دقيقةً من وصولِها .. الأنوارُ القليلةُ في المكانِ تَكشِفُ أنَّ هذهِ الطائرةَ ليست هيَ الهدفْ، والمتفجراتُ التي  لم تعملْ شاءَ لها القدرُ أن تتعطَّلْ .

كانتِ الطائرةُ التي حطَّت هيَ طائرةُ مؤونةٍ وليست من طرازِ (هيركوليس) وهيَ لم تمكُث طويلاً .. وقد رجَحَ لدى المقاومةِ أنَّ عدمَ إنفجارِ العُبُواتِ قد يكونُ سبُبُه التشويشُ الذي تبُثُّهُ أجهزةُ الطائرةِ مما يُعطِّلُ في مُحيطِها أجهزةَ اللاّ سلكي عن العمل …

قادةُ المقاومةِ يوعزون بإستبدالِ طريقةِ تفجيرِ العُبُواتِ وإستخدامِ التوصيلاتِ السلكيةِ البسيطةِ ، لتحقيقِ الهدفِ الكبيرِ َرغم خطورةِ إحتمالِ كشفِها من قِبَلِ العدو . 

وفي اليومِ التاسعِ والعشرينَ من أيامِ الرصدِ والترقُّبِ والإنتظارِ في صحراءِ (الطيب) وقربَ مَدْرَجِ (كميت) العسكري..

ستٌّ وثلاثونَ آليةً من آلياتِ الإحتلالِ البريطاني مُحملةً بعشراتِ الجنودِ البريطانيينَ تصلُ المدرَجَ عصرَ يومِ السبتِ 10/شباطَ/2007م.

تبدأُ القواتُ المحتلةُ بمهمةِ التفتيشِ، وإتخاذِ الحَيطةِ والحذرِ وتنفيذِ الإجراءاتِ المعتادةِ لهبوطِ طائرةِ النقلِ العسكريةِ ، التي تُحضِرُ جنودَ الإحتلالِ من القواعدِ العسكريةِ في مُحافظةِ البصرةِ ليُصارَ إلى نَقلِ بُدلائِهِم منَ المِنطقَة .

آلياتُ ومدرعاتُ العدوِّ كعادتِها تُطوِّقُ المِنطَقةَ بأكملِها، وتُنفذُ إجراءاتَها الإحترازية.

رجالُ المقاومةِ وبعدَ أن تأكدوا من علاماتِ قدومِ الطائرةِ الهدفِ عمدوا إلى التصرفِ على طريقةِ الرُعاة ، الذين يبتعدونَ عن القواتِ العسكريةِ البريطانيةِ عند قدومِها إلى المِنطقة …

حزَمَ المقاومونَ أمتعتَهُمُ البسيطةَ ، ورَحَلوا مع قطيعِ أغنامهم في عَجَلَتَي (بيك آب) تمَّ إستئجارُهُما.

رَحلَ مُقاومانَ مع القطيعِ عائدينَ إلى المدينة ، بينما سَلَكَ المقاومان إثنان طريقاً آخرَ لتنفيذِ المَهَمَّة ، وقد تَخفَّى المقاومان اللّذَيْنِ بقَيا بعيداً عن أعينِ عناصرِ الإحتلال، ولاذُ كُلٌّ منهُما بساترٍ تُرابي على أحدِ جوانبِ المَدرَج .

كان مع كُلِّ مُجاهدٍ قنبلةٌ يدويةٌ ( رُمّانة ) ، فيما كانَ معَ أحدِ المقاومينَ كاميرا تصويرٍ إلتقطتْ صُوَراً ما كان يجري في أجواءٍ مشحونةٍ بالحَيطةِ والترقب.

بدتِ الأجواءُ في صحراءِ (الطيّب) مُشتعلةً بفعلِ غطاءٍ جويٍّ كثيفٍ كان قد رافقُ قدومَ الطائرةِ العملاقة . الـ(هيركوليس) تَصلُ إلى سماءِ المَدرَجِ وتدورُ حولهُ ثُم تَبتَعدُ من جديد .. المقاومان يمضيان الساعات في مراقبة وصول الطائرة..

أكثرُ من ثلاثِ ساعاتٍ تمضي والطائرةُ في تحليقٍ مُستمرٍ ، وعناصرُ دورياتِ الإحتلالِ ، تؤمن لها ما تراهُ كافياً من الحمايةِ والجنودِ الَّذينَ ينوونَ مُغادرةَ المِنطقَةِ كانوا قد حضروا إلى المكان .

العاشرةُ وخمسٌ وعشرونَ دقيقةً من مُنتصفٍ ليلٍ 10/شباط/2007م الطائرةُ تقتربُ من المكانِ والمِشعلُ الضوئيُّ يَتحركُ على طريقِ المَدرَج ، دقائقُ وتبدأُ بالهبوطٍ بسرعتِها الكبيرةِ، تقتربُ من قَطعِ ( 100 ) المائةِ مترٍ الأولى من طريقِها، فيضغَطُ أحدُ المجاهدَين على المفجِّرِ ، فيُدوي صوتُ إنفجارٍ هائلٍ يُصيبُ الطائرةَ مُباشرةً ، وعندَ المائةِ مترٍ الثانيةِ تنفجرُ المجموعةُ الثانيةُ من العُبُواتِ ، لتُحيلَ الـ(هيركوليس) إلى كُرةٍ مُلتهبةٍ من النار تَنحرفُ عن مَسارٍها وتَشتعلُ بمن فيها وتَتَدحرجُ لمئاتِ الأمتارِ بعد أن تَحوّلَت إلى هشيم .

النيران تلتهمُ الطائرة .. وجُثثُ قتلى العدوِ تتناثرُ في المدرَجِ المشتعل، وصَرَخاتُ الجنودِ الذين بقوا على قيدِ الحياةِ تملأُ فضاءَ المكان.

في اللحظاتِ التاليةِ سادَت حالةٌ من الرُعب والهلعِ جنودَ الإحتلالِ فيما كانتِ النيرانُ تأتي على بقيةِ أجزاءِ الطائرة …

طائراتُ F – 16 تدورُ في سماءِ الحريق الكبير ، وطائراتُ الهليكوبتر تُعجِّلُ لنقلِ جثثِ القتلى ، وقواتُ الاحتلال تواصلُ العملَ طوالَ الليل وحتى ساعاتٍ مُتأخرةٍ من اليومِ الثاني .كاميرا المقاومةِ إلتقطت صُوَراً للطائرةِ التي تحولت إلى كُرةٍ ناريةٍ ، فيما سُحُبُ الدُّخَانِ تغطي المكان …

تَصَرّفت قواتُ الإحتلالِ كمن يُريدُ محوَ آثارِ الهزيمةِ لكي لا تَتحوَّلَ إلى مادةٍ إعلاميةٍ تُبرزُ إنتصارَ المقاومةِ العراقيةِ ، وتُقدّمُ للعالمِ دَليلاً على إنكسارِ المحتلِ وخَسائرِهِ الكبيرة .

يُعجِّلُ البريطانيونَ بتَركِ المكان ، وَيَنقُلُ موقعُ (الجزيرة توك) تصريحاً كاذباً للمُتحدثةِ الإعلاميةِ بإسم قواتِ الإحتلالِ في الجَنوبِ العراقي ، النقيب (كيت براون) التي أدّعتْ أنَّ جُنديين بريطانيينِ ، جُرحا في حادثِ تدميرِ الطائرةِ ، وأنَّ الأمرَ نتجَ عن إطلاقِ مِشعلٍ ضوئي ..!

سَتَنتَظرُ الحقيقةُ طويلاً ولكنها تبقى هيَ الحقيقة ، ففي أواخرِ عامِ 2007م ، إعترفُ جيشُ الإحتلال البريطاني وبعدَ قُرابَةِ عامٍ ، أنَّ إحدى طائراتِهِ  العسكريةِ ، قد تَحطمت بعدَ إصابتِها بقذائفَ أطلقَها مُسلحونَ ، بعد أن أعلنت في حينِهِ أنَّها لم تَسقُط بنيرانٍ مُعادية .

المقاومانِ اللِّذان نفذا العمليةَ إستطاعا الإنسحابَ من دونِ أن يَلتَفتَ لوجودهم أحد ، كانَ الهَلَعً والدمارً اللَّذَين لحِقا بقواتِ الإحتلالِ كبيراً ، وكانتِ الجهودُ مُنصبةً على لملمةِ آثار الهجوم.

الوقتُ يَمضي والمجاهدانِ يزحفانِ في بعضِ الأماكنِ كي لا يَكشِفَ أحدٌ وجودَهُما في مِنطقةِ النار .. ثُم يَبتعدانِ بعدَ إنجازِ المَهَمَّة النوعية , المكانُ المكشوفُ والظلامُ الذي تصعبُ فيهِ الرؤيةُ يشكلانِ ملاذاً لهما من عيونِ عناصرِ الإحتلال .

عدمُ أمكانِ الإتصالِ بالمجاهدَين المُنفِّذَين بأيِّ وسيلةٍ ، وصعوبةُ التواجدِ في مكانِ العمليةِ من قِبَلِ الإخوةِ المقاومينَ ، وسريةُ العمليةِ التي لم يَتَجاوز عَدَدُ مُنفِّذيها من قادةِ المقاوَمةِ ومُجاهديها سَبعَةَ أشخاص ، جَعَلَ الإتصالَ بينَ قيادةِ المقاومةِ الميدانيةِ والمجاهدَيِن المنفِّذَين مَعدوماً تقريباً مُنذ تَلقِّي أوامرِ البَدءِ بتنفيذِ الهجوم.

الترقُّبُ والقلقُ والإنتظارُ كان سيدَ الموقفِ بإنتظارِ وصولِ المجاهدَين اللَّذَينِ نفذا العملية.

أمضى المجاهدان ساعاتٍ طويلةً للوصولِ إلى نقطةِ اللقاءِ عندَ مُفترقِ الطرقِ حيث كانَ الإخوةُ بإنتظارهم .

إستمرَ عناصرُ وطائراتُ الإحتلال ، طَوالَ ليلةِ السبتِ ونهارِ الأحدِ وجُزءٍ من ليله، في عملياتِ إخلاءِ وتدميرِ وإزالةِ ما تبقى من الأجزاءِ المحترقةِ للطائرة ، والآلياتِ القريبةِ التي لحِقَ بها التدمير.

وما أن لاحت تَباشيرُ فجرِ الإثنين 12/شباط/2007م ، وإنشقَ النورُ عن خيوطِ الإنتصارِ ، حتى بَدَتِ الأرضُ المشتعلةُ هادئةً ، إلاّ من سُحُبٍ صغيرةٍ منَ الدُّخانِ المتصاعدِ من بقيةِ الأشلاءِ المتطايرةِ بعيداً عن حُطامِ الـ(هيركوليس).

خَلَتِ الأرضُ تَماماً من أيِّ وجودٍ لجنودِ الإحتلال وآلياتِهِم وطائراتِهِم .. ولم يَبقَ على أرضِ مَدْرَجِ الـ(كميت) سوى بعضِ الحُطام .

قادةُ المقاومةِ ورجالُها يجتمعونَ لمشاهدةِ ما صوَّرَتْهُ الكاميرا التي إلتقطَ بها المقاومونَ لحظاتِ تنفيذِ العمليةِ النوعية البطوليةِ الكُبرى ..

إبتسامةُ النصرِ ترتَسِمُ على الوجوهِ والتكبيراتُ تعلو مع كُلِّ مَشهدٍ جديد .. قادةُ المقاومةِ يزُفُّونَ إلى أخوانِهِم فَرحَةَ وبُشرى النجاحِ الكبير ، ويَروون تفاصيلَ ما حدثَ في الساعاتِ الماضية .

مَضى يومانِ على تنفيذِ العمليةِ ولا وجودَ لقواتِ الإحتلالِ في المِنطقةِ كُلِّها ، والهدوءُ يخيمُ في الأرجاء.

الرعاةُ في المِنطقةِ وسُكانُ البيتِ الوحيدِ القريبِ من المَدرَجِ ، يَستغربونَ إختفاءَ دورياتِ الإحتلالِ وَعَدَمَ عَودَتِها بعد عَمليةِ تفجيرِ الطائرة.

رجالُ المقاومةِ عادوا مرةً جديدةً إلى موقعِ العمليةِ وقاموا بتصويرِ بقاياً من أشلاءِ الطائرة.

عَشَرَةُ أيامٍ تمضي .. الأربعاءُ 21/شباط/2007م وسائلُ الإعلامِ البريطانيةِ، تعلن أنَّ رئيسَ الحكومة (توني بلير) يُقرِّرُ تحتَ وقعِ الهزائمِ المتتاليةِ لقواته بَدءَ إنسحابٍ تدريجيٍّ من العراق .

صحيفةُ الصن (SUN) اللندنيةُ أعلنت أنَّ بلير أَمَر بالمباشرةِ بسَحبِ ( 1500 ) ألفٍ وخمسِمائةِ جُنديٍّ ، خلالَ أسابيعَ على أن يُسحبَ الباقونَ في وقتٍ آخر ..

بدورِها صحيفةُ الغارديان نَقَلَت في اليومِ ذاتِهِ عن (بلير) أنَّهُ قرر خفضَ مُستوى قواتِهِ تدريجاً في جَنوبِ العراقِ خلالَ الأشهرِ المقبلة.

لندن ــ الأحد  25/2/2007م

مَضى أسبوعانِ على تفجيرِ الطائرةِ الـ(هيركوليس) في مدينةِ العِمارةِ ، عشراتُ الآلافِ من البريطانيينَ يَتظاهرونَ وسَطَ العاصمة لندن …

التحالُفُ المعروفُ بإسمِ (أوقفوا الحربَ) الذي نَظَّمَ التحركَ أكّد أنَ نَحوَ ستينَ ألفاً من ناشطي السلام ، شاركوا في التظاهرةِ التي بدأت في حديقةِ الـ(هايد بارك) ، وَسَطَ العاصمةِ البريطانيةِ قبلَ أن تَجوبَ شوارعَ لندن ..

وقد شاركَ في التظاهُرةِ عَدَدٌ كبيرٌ من التنظيماتِ السياسيةِ والنِقابيةِ ورُفعتْ فيها لافتاتٌ تُطالبُ بسحبِ القوات البريطانية.

رئيسُ تحالفِ أوقفوا الحربَ (لندسي جيرمن) وصفَ قرارَ إعادةِ نحوِ ألَفي جنديٍّ بريطانيٍّ إلى بلادِهِم ، بأنهُ قرارٌ مُتأخر ، كما أنَّ عدَدَهُم ضئيلْ ، وتعهَدَ بمواصلةِ التحركِ حتى سَحبِ جميعِ القواتِ البريطانيةِ في الخارجِ ، وقطعِ الإرتباطاتِ بالسياساتِ الخارجيةِ الأمريكية.

(جون رينز) العضوُ المؤسّسُ لتحالفِ أوقفوا الحرب كشفَ في تصريحٍ للجزيرة ، أنَّ قرارَ تخفيضِ القواتِ جاءَ نتيجةً للضغوطِ التي تعاني منها حكومةُ (توني بلير) .

الوزيرُ البريطاني السابق (توني بن) ، أعلنَ للجزيرةِ أيضاً أنَّ غالبيةً ساحقةً من الشعبِ البريطاني من كُلِّ الأحزابِ والدياناتِ تُريدُ سَحْباً فورياً للقواتِ منَ العراق.

تداعياتُ الهزيمةِ تتوالى .. المتحدثةُ بإسمِ قواتِ الإحتلالِ البريطاني في الجنوبِ العراقي (كيتي براون) تُعلنُ عن إلغاءِ مُهَمَّةِ مُشاركةِ وليِّ العرشِ الأمير هاري ، في صفوفِ الجيشِ البريطانيِّ في العراق ، وتُعلِّلُ المتحدثةُ ذلكَ بوجودِ صعوباتٍ مَيدانيةٍ وظروفٍ أمنيةٍٍ صَعْبَة.

ضرباتُ المقاومةِ العراقيةِ في العمارةِ والبصرةِ ومُدنِ الجنوبِ العراقي المقاومِ التي كانت القواتُ البريطانيةٌ تحتلُها ، أجبرت (توني بلير) على الإعترافِ علناً ، في لقاءٍ مُتَلْفَزٍ على قناةِ الجزيرة ، بأنَّ التدخلَ الغربيَّ في العراقِ حتى الآنَ تحولَ إلى كارثةٍ حقيقية.

هيأةُ الإذاعةِ البريطانيةِ “بي بي سي” وفي موقِعِها على الإنترنت نقلتْ عن زعيمِ حزبِ الليبرالييينَ الديموقراطيينَ “منزيس كامبل” قولَهُ :

( إذا كانَ رئيسُ الوزراءِ قد أقر بأنَّ الأمرَ كان كارثةً ، فمن دون شكَّ كان على “بلير” أن يُقدمُ إعتذاراً للشعبِ ومُمثليهِ في البرلمانِ البريطانيِّ الذينَ تمَّ خِداعُهُم من قِبَلِه ).

بعد شهرين ونصفٍ ألقت الاوضاعُ العراقيةُ ، بثِقَلِها على الحكومةِ البريطانيةِ حيث أقدمَ بليرُ على إقالَةِ عددٍ من وزرائِهِ، وتغييرِ شكلِ حكومتِهِ في محاولةٍ لامتصاصِ نقمةِ الشعبِ البريطانيِ المتزايدةْ، وكانت أبرزُ التغييراتِ قد شَمِلَتْ وِزارَةَ الحربِ البريطانيةِ حيث فقدَ جيف هورن مَنصِبَهُ كوزير.

عَصَفَتِ الأزمةُ السياسيةُ بالحكومةِ البريطانيةِ بشكلٍ حادْ ، فوزيرةُ الصناعةِ البريطانيةِ “مارغريت هودج” إتهمتِ بليرَ بالإستعمارِ الأخلاقيِّ ، ومُحاولةِ فرضِ القِيَمِ والمُثُلِ البريطانيةِ على العراق .. فيما شَكَّلَ ظهورُ عوائلِ الجنودِ البريطانيينَ القتلى والجرحى في وسائلِ الإعلامِ ضَغطاً كبيراً على “بلير” وحكومتِه .

أكثرُ من عَشَرَةِ أشهُرٍ مَضَت على تفجيرِ الـ(هيركوليس) وأكاذيبِ المتحدثةِ بإسمِ قواتِ الإحتلالِ البريطاني ما زالت الإعلانُ الوحيدِ للبريطانيينَ ولوسائلِ إعلامِهِم .

وتَنتظرُ الحقيقةُ طويلاً قبل أن يُفرَجَ عنها . ففي أواخِرِ عامِ 2007م ، يَعترفُ جيشُ الإحتلالِ البريطاني بأنَّ إحدى طائراتِهِ العسكريةِ، قد تَحطمتْ بعد إصابَتِها بقذائفَ أطلقها مُسلحونَ ، بعدَ أن أعلنَ في حينِهِ أنَّها لم تسقُط بنيرانِ المقاَومة …

تقرير نُشرَ على موقعِ وزارةِ الحربِ البريطانية ، كُشِفَ أنَّ قائدَ طائرةِ الـ(هيركوليس) بُهِرَ جرَّاءَ وميضِ الإنفجار، بينما كانَ يُحاولُ الهبوطَ على مدرجٍ في مدينةِ العِمارةِ في محافظةِ ميسانَ بجنوبِ شرقيِّ العراقِ في 12/شباطَ/2007م.

ويوردُ تقريرُ الوِزارةِ البريطانيةِ أنَّ النار إندلعت  في الطائرةِ ، التي إنحرفت عنِ المدرجِ بعد تعرُّضِها لعُبْوَتينِ ناسفتينِ زُرعتا على أرضه.

ويُعلِّلُ التقريرُ أسبابَ قيامِ قواتِ الإحتلالِ بتدميرِ بقايا الطائرةِ بدلاً من مُحاولةِ إصلاحِها بأنَّ سببَ ذلكَ هو وقوعُ الطائرةِ تحتَ نيرانِ المسلحين ، وأنَّ قواتِ الإحتلالِ كانت مُتشككةً بشأنِ إمكانِ إستخدامِ عُبُواتٍ ناسفةٍ للايقاعِ بالـ(هيركوليس) في شِباكِ المقاومةِ ، ولو أنَّهُ جرى تحذيرُ أيَّةِ طائرةٍ ثانية من إستخدامِ المَدرَجِ نفسِهِ لوجودِ مخاوفَ كبيرةٍ من أن يكونَ الحادثُ قد نَجَمَ عن عُبُواتٍ شديدةِ الإنفجار .

إذاً .. فالمِشعَلُ الضوئيُّ لم يَعُدْ هوَ السببَ في تدميرِ الطائرة .

وهكذا تَسقُطُ الأكاذيبُ التي أطلَقتها المتحدثةُ بإسمِ قواتِ الإحتلالِ (كيتي براون) طَوالَ الوقت ، وعبوات المقاومةِ الإسلاميةِ “عصائبً أهلِ الحقِّ” التي فَجَّرَتِ الطائرةَ بمن فيها ، هي في حقيقةِ الأمرِ “المِشعَلُ الضوئُّي” الذي من خلالِهِ شاهدَ العالمُ واقعَ الفشلِ والدمارِ الذي لَحِقَ بقواتِ الإحتلالِ البريطانيِّ في الجنوبِ العراقيِّ والهزيمةِ المُرَّةِ التي لم تَقفْ عندَ أيَّةِ حدود .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.